يستعد سوق الطروحات العامة الأولية في الولايات المتحدة لما هو من المتوقع أن يكون واحدة من أكبر موجات إدراج شركات التكنولوجيا في التاريخ. ومن بين الشركات المتوقع إدراجها خلال الأشهر المقبلة ثلاث من أكثر الشركات إثارة للاهتمام، وأحيانًا للجدل، وهي: SpaceX وOpenAI وAnthropic.
ويبدو حجم الحماس مفهومًا؛ فهذه الشركات لا تبيع منتجات فحسب. بل تبيع المستقبل. فنحن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي وروبوتات المحادثة ووكلاء الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل والاستدلال الآلي والتطبيقات العسكرية، إلى جانب استكشاف الفضاء والبنية التحتية المدارية، وهي موضوعات ترسم ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة.
يرغب بعض المستثمرين في الاستثمار فيها، بينما يتردد آخرون بشدة؛ لأن وراء هذه السرديات الاستثنائية والتقييمات الضخمة حقيقة مالية أكثر تعقيدًا، وهي أن هذه الشركات اليوم تستهلك كميات هائلة من السيولة النقدية، وتعمل في قطاعات لا تزال ربحيتها المستقبلية غير مؤكدة إلى حد كبير.
ولم يعد السؤال الحقيقي هو إذا ما كان الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المتقدمة سيغيِّران العالم. فمن المرجح جدًا أن يحدث ذلك.
بل أصبح السؤال هو إذا ما كان المستثمرون الذين يشترون هذه الطروحات العامة الأولية سيحققون أرباحًا في نهاية المطاف.
فلنبدأ باستعراضها واحدة تلو الأخرى.

SpaceX: مستقبل البنية التحتية... أم ثقب أسود مالي؟
ولسنوات، ظلت SpaceX واحدة من الشركات الخاصة الأسطورية التي لم يكن بإمكان المستثمرين الأفراد الوصول إليها.
وفي عهد ملك التكنولوجيا Elon Musk، أصبحت الشركة رمزًا لطموح وادي السيليكون، بفضل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام وخطط استعمار المريخ وأقمار Starlink الصناعية والرؤى المتزايدة الطموح المتعلقة ببنية الذكاء الاصطناعي التحتية في المدار.
لكن، بعيدًا عن الصواريخ والعناوين التي تبدو وكأنها من أفلام الخيال العلمي، فإن المحرك الحقيقي لشركة SpaceX اليوم ليس استكشاف الفضاء. بل هو الاتصال.
والخبر الجيد هو أن Starlink أصبح، بهدوء، الركيزة المالية للشركة، إذ يحقق حاليًا مليارات الدولارات من الأرباح لتمويل أنشطة الفضاء التي تستهلك رؤوس أموال ضخمة؛ فكما هو متوقع، فإن إرسال الصواريخ إلى الفضاء أكثر تكلفة من تصنيع السيارات الكهربائية.
وفي الوقت نفسه، تتطور SpaceX لتصبح أكثر بكثير من مجرد شركة صواريخ. وتشمل رؤيتها طويلة الأجل بصورة متزايدة ما يلي:
- البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المدار.
- الحوسبة الفضائية.
- الاتصال المدعوم بالأقمار الصناعية.
- الصناعة على سطح القمر.
- وفي نهاية المطاف، إنشاء مستوطنات بشرية على المريخ.
أعِد قراءة ذلك مرة أخرى.
وهنا تصبح القصة في الوقت نفسه مثيرة للاهتمام ومخيفة من الناحية المالية.
أصبحت اقتصاديات الذكاء الاصطناعي باهظة التكلفة على نحو غير مسبوق. فأصبح تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة يتطلب كميات هائلة من الكهرباء وأنظمة التبريد وأشباه الموصِّلات والقدرات الحاسوبية.
وأصبحت ثورة الذكاء الاصطناعي تصطدم بقيود مادية، تشمل شبكات الكهرباء ونقص الطاقة والعوائق في إنتاج الشرائح الإلكترونية. ويتمثل رد Elon Musk على هذه القيود الأرضية في طرحٍ جذري. فإذا كانت الأرض لا تستطيع توفير ما يكفي من الطاقة وقدرات التبريد بكفاءة، فلماذا لا يتم نقل جزء من البنية التحتية إلى الفضاء، أليس كذلك؟
من الناحية التقنية، تبدو هذه الفكرة طموحة ورائدة.
أما من الناحية المالية، فتبدو شديدة المخاطرة.
“تقر SpaceX نفسها في مستنداتها بأن العديد من هذه المفاهيم قد لا تصبح مُجدية تجاريًا أبدًا. وتُشير التقارير إلى أن الشركة سجلت خسائر تشغيلية قاربت 5 مليارات دولار خلال العام الماضي، ولا تزال تستهلك السيولة بوتيرة سريعة.”
وهذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى المستثمرين.
فشراء أسهم SpaceX لا يعني مجرد الاستثمار في شركة أثبتت نجاحها وتحقق أرباحًا. بل يعني تمويل أحد أكثر مشروعات البنية التحتية طموحًا ومخاطرةً على الإطلاق، وهو مشروع قد يستغرق عقودًا قبل الوصول إلى ربحية مستدامة.
ويضيف عامل آخر مزيدًا من التعقيد، إذ من المتوقع أن يحتفظ Elon Musk بسيطرة شبه كاملة على حقوق التصويت، بما يعادل 85% منها، وهو ما يعني أن المستثمرين سيضعون قدرًا كبيرًا من الثقة في رؤيته طويلة الأجل وقراراته المتعلقة بتخصيص رأس المال.
ويُعَد Elon Musk في الوقت نفسه أكبر نقطة قوة وأكبر مصدر للمخاطر بالنسبة إلى SpaceX.

OpenAI: تقنية ثورية واقتصاديات قاسية
إذا كانت SpaceX تمثِّل البنية التحتية المادية للمستقبل، فإن OpenAI تمثِّل البنية التحتية المعرفية.
لقد غيَّر ChatGPT نظرة الجمهور إلى الذكاء الاصطناعي بصورة جذرية، وذلك في مطلع عام 2023 تقريبًا. فجأة، لم يَعُد الذكاء الاصطناعي يبدو مجرد مفهوم نظري، بل أصبح منتجًا استهلاكيًا واسع الانتشار. لقد غيَّر العالم.
وبذلك، أصبحت OpenAI في قلب واحدة من أسرع دورات تبنّي التكنولوجيا في التاريخ.
ورغم ما يحمله ذلك من حماس، فإنه يخفي وراءه تحديًا ماليًا استثنائيًا، إذ إن تطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله يتطلبان تكاليف باهظة للغاية. فلا بد من ضخ استثمارات ضخمة في الشرائح الإلكترونية ومراكز البيانات والبنية التحتية السحابية، قبل وقت طويل من الوصول إلى ربحية مستقرة.
لا شك أن الإيرادات تنمو بوتيرة سريعة. لكن الإنفاق يرتفع بالسرعة نفسها، إن لم يكن بوتيرة أسرع، لتجنُّب الوصول إلى حدود الطاقة الاستيعابية.
ولا توجد وصفة سحرية؛ فمن المرجح أن تتكبد OpenAI خسائر بعشرات المليارات من الدولارات قبل أن تتمكن، ربما، من تحقيق ربحية مستدامة.
“لا توجد وصفة سحرية؛ فمن المرجح أن تتكبد OpenAI خسائر بعشرات المليارات من الدولارات قبل أن تتمكن، ربما، من تحقيق ربحية مستدامة. ”
ولا يزال الطريق نحو تحقيق الربحية محفوفًا بعدم اليقين:
- تباطؤ نمو الإيرادات.
- اشتداد المنافسة.
- ضغوط التمويل.
- ارتفاع تكاليف البنية التحتية.
وقد بدأ المشهد التنافسي بالفعل يشهد تغيُّرات متسارعة. ولم تَعُد OpenAI تهيمن على السوق دون منافسة. ويواصل منافسون مثل Anthropic زيادة حصتهم السوقية، في حين تُشير التقارير إلى أن تحقيق توقعات الإيرادات الداخلية أصبح أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، تواجه OpenAI التزامات طويلة الأجل ضخمة في مجال البنية التحتية، قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وربما تتجاوز تريليون دولار، خلال العقد المقبل. وتوجد الشركة في قلب منظومة معقدة للذكاء الاصطناعي، تؤدي فيها شركات التكنولوجيا الكبرى دور المستثمر ومزوِّد البيانات والشرائح الإلكترونية والقدرات الحاسوبية في الوقت نفسه.
وتبدو الأرقام مذهلة؛ إذ تُشير التقارير إلى أن OpenAI تنفق نحو 10 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم استثنائي حتى بمعايير وادي السيليكون، والمنافسة تستمر في الازدياد.

Anthropic: النجم الصاعد
أما Anthropic، الشركة المطورة لنموذج Claude، فقد رسَّخت مكانتها باعتبارها أحد أبرز البدائل الموثوقة بها لنموذج OpenAI.
وقد ركَّزت الشركة بصورة متزايدة على سلامة الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحكومية والحلول المخصصة للمؤسسات، ما ساعدها على جذب المطورين والمؤسسات واهتمام القطاع العام.
وتُسهم نماذجها بالفعل في إحداث تحول في شركات البرمجيات الراسخة، كما تزيد من حالة القلق المتنامية في قطاع البرمجيات.
ومن نواحٍ عديدة، تمثِّل Anthropic المرحلة التالية من المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فلم يَعُد الأمر يقتصر على تطوير روبوتات المحادثة، بل أصبح يتعلق بدمج الذكاء الاصطناعي بعمق في عمليات الأعمال والبرمجة والدفاع والأمن الإلكتروني وإنتاجية المؤسسات.
لكن، وكما هو الحال مع OpenAI، لا توجد وصفة سحرية.
“تواصِل Anthropic أيضًا استهلاك كميات هائلة من السيولة النقدية.”
ويتطلب تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا استثمارات ضخمة في أشباه الموصِّلات والبنية التحتية السحابية ومراكز البيانات. ويجب ضخ هذه الاستثمارات مقدمًا. كما يجب أن يكون المنتج جاهزًا قبل طرحه في السوق، وأن تتم إدارة قيود الطاقة الاستيعابية مسبقًا لتجنُّب أي تراجع في سرعة الخدمة أو جودتها.

الفرص: نمو Starlink، والريادة في عمليات الإطلاق، والتوسع في اقتصاد الفضاء.
المخاطر: التقييمات المرتفعة، والاحتياجات الضخمة لرأس المال، ومخاطر التنفيذ والتنظيم.

الفرص: الانتشار الواسع لتبنّي الذكاء الاصطناعي، والنمو السريع للإيرادات، والهيمنة على المنظومة.
المخاطر: الاستنزاف الكبير للسيولة، والاعتماد على ازدهار الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، واشتداد المنافسة.

الفرص: نمو الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات والشراكات الاستراتيجية والريادة في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي.
المخاطر: استنزاف السيولة النقدية، وتصاعد الضغوط التنافسية وضغوط التسعير.

دورة لا تنتهي
وهنا تبدأ منظومة الذكاء الاصطناعي في الظهور بصورة تبدو أكثر دائرية.
فكلٌّ من OpenAI وAnthropic يعتمدان بدرجة كبيرة على التمويل ودعم البنية التحتية من شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل Microsoft وAmazon وGoogle. ثم تعود هذه الشركات نفسها لتبيع لهما الخدمات السحابية والشرائح الإلكترونية والقدرات الحاسوبية.

بعبارة بسيطة، أصبح نظام الذكاء الاصطناعي يعتمد بصورة متزايدة على تمويل نفسه من داخله.
ورغم أن هذا النموذج ينجح خلال فترات حماس المستثمرين وتوافر السيولة، فإن استدامته على المدى الطويل تظل غير مؤكدة إذا تباطأ نمو الإيرادات في نهاية المطاف.
ففي النهاية، لا بد أن تحقق جهة ما أرباحًا حقيقية، وأن تتدفق الأموال إلى داخل هذه المنظومة من خارجها.

إلى أين ستتجه الأرباح فعلًا؟
وهذا هو السؤال الذي يشغل المستثمرين اليوم.
يتفق الجميع على أن الذكاء الاصطناعي يمثِّل ثورة. لكن لا أحد يعلم على وجه اليقين أين ستستقر الأرباح على المدى الطويل.
- فهل سيكون أكبر الرابحين هم مطورو نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل OpenAI وAnthropic؟
- أم ستتجه الأرباح في المقام الأول إلى شركات أشباه الموصِّلات، مثل Nvidia؟
- أم أن عمالقة الحوسبة السحابية، مثل Microsoft وAmazon وGoogle، سيستحوذون على معظم القيمة الاقتصادية بفضل امتلاكهم للبنية التحتية؟
وفي الوقت نفسه، أصبحت الظروف الاقتصادية الكلية أكثر صعوبة، ولم يَعُد من الممكن تجاهلها.
- فالعوائد العالمية آخذة في الارتفاع.
- ولا تزال الحكومات مثقلة بالديون.
- وتتعرض أنظمة الطاقة لضغوط.
- وتتزايد التجزئة الجيوسياسية.
- ولم تَعُد تكاليف التمويل قريبة من الصفر.
وهذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة للشركات شديدة المضاربة التي قد تظل غير مربحة لسنوات.
ويكمن الخطر في أن ينجذب المستثمرون إلى رواية المستقبل إلى حد يتوقفون معه عن الاهتمام بالتقييمات.
وهكذا تتشكل الفقاعات.

فقاعة أم فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل؟
أتمنى لو كنت أملك الإجابة.
لكن الحقيقة هي أن هذه الطروحات العامة الأولية (IPOs) قد تتحول إلى قصص تاريخية لصناعة الثروات، كما قد تصبح أيضًا رمزًا للمبالغة في المضاربات إذا ابتعدت التوقعات كثيرًا عن الواقع الاقتصادي.
ومن المرجح أن يكون المستقبل بالفعل للذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المتقدمة، لكن حتى المستقبل قد يصبح مبالغًا في تسعيره.
وعندما تنفصل التقييمات عن الأساسيات الاقتصادية، فقد تكون التصحيحات اللاحقة قاسية.
“إن فهم القصة وحده لا يكفي؛ بل يجب على المستثمرين أيضًا تحديد التقييم المناسب والتوقيت المناسب.”
وعلى مر التاريخ، كان ذلك دائمًا هو الجزء الأصعب.
وتواجه نماذج التقييم التقليدية صعوبةً في تحليل شركات مثل SpaceX وOpenAI وAnthropic؛ لأنها تعمل في قطاعات لم يكن لها وجود يُذكر قبل بضع سنوات فقط. وهذا ما يجعل هذه الطروحات العامة الأولية (IPOs) شديدة الجاذبية، وفي الوقت نفسه شديدة الخطورة.
فقد تنطلق هذه الشركات الثلاث إلى القمر، حرفيًا في حالة SpaceX.
وقد تعود في النهاية إلى الأرض.
وحده الزمن كفيل بالإجابة.
المحتوى الوارد في هذا المقال لأغراض تعليمية وتسويقية فقط. ولا يُقصَد به أي نصائح استثمارية أو توصيات مالية.
تُقدَّم جميع المنتجات والخدمات من قِبَل سويسكوت بنك إس ايه، وهو بنك سويسري خاضع لتنظيم الهيئة الاتحادية السويسرية للرقابة على الأسواق المالية. يتم الترويج لحسابات الفوركس وعقود الفروقات من قِبَل المكتب التمثيلي لشركة سويسكوت بنك إس ايه المرخصة من مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي. شركة سويسكوت الشرق الأوسط وأفريقيا المحدودة خاضعة لتنظيم سلطة دبي للخدمات المالية ومُسجَّلة في مركز دبي المالي العالمي.




