ولا يعتمد معظم المستثمرين على نماذج معقدة لتحديد إذا ما كان السهم يستحق الشراء أم لا. بل يبدؤون عادةً بتقييم عدد من المقاييس الأساسية.
“وفي مقدمة هذه المقاييس تأتي نسبة السعر إلى الربحية (Price-to-Earnings Ratio - PE)، باعتبارها أحد أكثر المقاييس استخدامًا وتأثيرًا.”
ما المقصود بنسبة السعر إلى الربحية (Price-to-Earnings Ratio - PER)، وما سبب أهميتها؟
وببساطة، توضِّح نسبة السعر إلى الربحية (PE Ratio) المبلغ الذي يكون المستثمرون على استعداد لدفعه مقابل كل دولار واحد من أرباح الشركة. ويتم احتسابها بقسمة السعر الحالي للسهم على ربحية السهم (EPS).
لنفترض أن سهمًا ما يتم تداوله عند 100 دولار أمريكي، بينما تبلغ ربحية السهم (EPS) 5 دولارات أمريكية. في هذه الحالة، تكون نسبة السعر إلى الربحية (PE) مساوية للقيمة 20، أي أن المستثمرين مستعدون لدفع ما يعادل 20 ضعف أرباح الشركة مقابل امتلاك هذا السهم.
ولكن لماذا يجب الاهتمام بها؟
“تعكس نسبة السعر إلى الربحية (PE) توقعات السوق؛ فالقيم المرتفعة تُشير إلى توقعات بنمو قوي، مع استعداد المستثمرين لدفع علاوة سعرية مقابل ذلك، بينما تُشير القيم المنخفضة إلى توقعات نمو أضعف أو إلى احتمال أن يكون السهم قد تم تقييمه بأقل من قيمته.”
ما الذي تكشفه نسبة السعر إلى الربحية عن أسهم النمو وأسهم القيمة؟
لا يوجد معيار واحد يحدد إذا ما كانت نسبة السعر إلى الربحية مرتفعة أو منخفضة، إذ يعتمد ذلك على القطاع، ومرحلة نمو الشركة، وحتى التوجُّهات الاقتصادية الكلية. فعلى سبيل المثال، قد تُعَد نسبة السعر إلى الربحية مرتفعة بالنسبة إلى شركة صناعية بطيئة النمو، لكنها قد تكون طبيعيًا تمامًا، أو حتى منخفضة، بالنسبة إلى شركة برمجيات تشهد توسعًا سريعًا. ولهذا السبب، يتجنّب المستثمرون الاعتماد على حدود ثابتة، ويفسِّرون نِسب السعر إلى الربحية عادةً بمقارنته بالشركات المماثلة أو بمتوسطاته السابقة.
ولتبسيط المفهوم بشكل أكبر، لنبدأ بالنظر إلى أسهم النمو، التي غالبًا ما يتم تداولها عند مستويات مرتفعة من نطاق نسبة السعر إلى الربحية.
ما المقصود بأسهم النمو؟
أسهم النمو هي أسهم شركات من المتوقع أن تحقق نموًا سريعًا، وأن تزيد أرباحها بوتيرة تفوق متوسط السوق. وهي تجذب المستثمرين الباحثين عن فرص لتحقيق عوائد مرتفعة، رغم أنها قد تنطوي على مخاطر أكبر.
“تتميز أسهم النمو عادةً بارتفاع نسبة السعر إلى الربحية (PE) مقارنةً بغيرها.”
ويرجع ذلك إلى أن المستثمرين يتوقعون أن تحقق هذه الشركات نموًا كبيرًا في أرباحها مع مرور الوقت؛ لأنها تتوسع بسرعة، وتُعيد استثمار جزء كبير من مواردها في أعمالها، وتُعطي الأولوية لزيادة حصتها السوقية أو للابتكار بدلًا من التركيز على الأرباح قصيرة الأجل. وغالبًا ما توجد هذه الشركات في قطاعات مثل التكنولوجيا والتقنيات الحيوية وخدمات الإنترنت الموجَّهة للمستهلكين، حيث تكون فرص النمو السريع في الإيرادات والأرباح مرتفعة.
ولأن المستثمرين يعتقدون أن هذه الشركات ستحقق أرباحًا أكبر بكثير في المستقبل، فإنهم يكونون مستعدين لدفع سعر أعلى مقابل أسهمها اليوم. وتنعكس هذه العلاوة في ارتفاع نسبة السعر إلى الربحية (P/E). وبعبارة أخرى، فإن ارتفاع نسبة السعر إلى الربحية في هذا السياق لا يُعَد بالضرورة إشارة تحذير، بل يعكس التفاؤل.
فإذا كان سهم إحدى شركات التكنولوجيا يتم تداوله عند نسبة سعر إلى ربحية (PE) تبلغ 50، فقد يبدو هذا الرقم مرتفعًا مقارنةً بمتوسط السوق، لكنه قد يكون منطقيًا تمامًا إذا كان المحللون يتوقعون أن تتضاعف أرباح الشركة أو تتضاعف ثلاث مرات خلال السنوات القليلة المقبلة.
في بعض الأحيان، خاصةً خلال المراحل الأولى من نمو الشركة، قد لا تحقق الشركة أرباحًا إيجابية أصلًا، ولذلك تكون نسبة السعر إلى الربحية مرتفعة للغاية أو غير قابلة للحساب. وفي هذه الحالات، يتحول اهتمام المستثمرين إلى مقاييس تقييم أخرى، مثل مضاعف السعر إلى المبيعات (P/S) أو نسبة السعر إلى الربحية المستقبلي (Forward P/E)، التي تعتمد على الأرباح المستقبلية المتوقعة بدلًا من الأرباح المحققة خلال الفترة السابقة. ومع ذلك، يبقى المبدأ واحدًا: كلما ارتفعت توقعات النمو، ارتفع مستوى التقييم الذي يكون المستثمرون مستعدين لقبوله.
“لكن ارتفاع نسبة السعر إلى الربحية في أسهم النمو ينطوي على مخاطر؛ فإذا أخفقت الشركة في تحقيق التوقعات، فقد تتراجع أسعار أسهمها بشكل حاد. ”
وبالنسبة إلى المستثمرين الذين يؤمنون بالرؤية طويلة الأجل للشركة، قد تمثِّل أسهم النمو ذات نسبة سعر إلى ربحية مرتفعة فرصًا استثمارية جذابة.
ولنأخذ شركة Tesla على سبيل المثال. إذ تبلغ نسبة السعر إلى الربحية لديها اليوم نحو 140، بعد أن تجاوزت 1,000 في عام 2020. ويراهن المستثمرون على تحقيق مكاسب كبيرة في المستقبل، مدفوعة بالابتكارات في مجالات مثل المركبات ذاتية القيادة وخدمات Robo-taxi. وقد ساهمت هذه الأخيرة في دعم السهم وتعافيه رغم تراجع مبيعات السيارات الكهربائية خلال عام 2024. لكن مع نضوج Tesla، أصبحت نسبة السعر إلى الربحية التي تبلغ 1,000 أقل منطقية اليوم مقارنةً بما كانت عليه قبل خمس سنوات.

ولنأخذ Nvidia كمثال. فقد ارتفع سعر سهم الشركة بقوة خلال السنوات الأخيرة. وعادةً ما يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة نسبة السعر إلى الربحية (PE)، ما يجعل السهم يبدو باهظ الثمن. لكن أرباح Nvidia ارتفعت أيضًا بوتيرة استثنائية، ولذلك لم ترتفع نسبة السعر إلى الربحية بالقدر الذي كان متوقعًا. وفي هذه الحالة، كان ارتفاع السهم مدعومًا بأساسيات مالية قوية.

ولهذا السبب، يُعَد النظر إلى التقييمات أمرًا بالغ الأهمية؛ فارتفاع سعر السهم لا يعني بالضرورة أنه مبالغ في تقييمه، خاصةً إذا كانت الأرباح تنمو بالوتيرة نفسها.
“أما أسهم القيمة، فعادةً ما يتم تداولها عند نِسب سعر إلى ربحية أقل، وهو ما يعكس استقرار أعمالها وتوقعات نموها المعتدلة.”
ما المقصود بسهم القيمة؟
أسهم القيمة هي أسهم شركات يتم النظر إليها على أنها تم تقييمها بأقل من قيمتها الحقيقية، استنادًا إلى سعرها الحالي مقارنةً بقيمتها الجوهرية أو أرباحها. وتجذب هذه الأسهم المستثمرين الباحثين عن فرص شراء بأسعار جذابة مع إمكانات نمو مستقرة، وغالبًا ما تنطوي على مستوى مخاطر أقل مقارنةً بأسهم النمو.
وغالبًا ما تنتمي هذه الشركات إلى قطاعات راسخة مثل البنوك والطاقة والمرافق والاتصالات والسلع الاستهلاكية الأساسية. وبدلًا من الوعد بتحقيق أرباح استثنائية في المستقبل البعيد، تستند أسهم القيمة إلى تدفقات نقدية مستقرة، وتوزيعات أرباح منتظمة، وسجل تشغيلي مثبت.
وقد يرجع انخفاض تقييمها إلى عملها في قطاع أقل جذبًا للاهتمام، أو تعرُّضها لتحديات مؤقتة، أو ببساطة لأنها لا تقدِّم قصة نمو جذابة كتلك التي تقدِّمها شركات التكنولوجيا الرائجة. لكن هذا لا يعني أنها شركة ضعيفة الأداء، بل على العكس تمامًا.
“وغالبًا ما تكون أسهم القيمة شركات رابحة. ورغم أنها قد لا تحظى ببريق أسهم النمو، فإنها تتميز بالمرونة وإمكانية التنبؤ بأدائها.”
لنأخذ شركة Nestlé كمثال. فبصفتها واحدة من أكبر شركات الأغذية والمشروبات عالميًا، وتمتلك علامات تجارية شهيرة مثل Nescafé وKitKat وGerber، تعمل Nestlé في قطاع يُعرَف بطبيعته الدفاعية، أي أن المستهلكين يواصلون شراء منتجاته سواء في فترات الرواج أو التباطؤ الاقتصادي. وتُعَد Nestlé مثالًا تقليديًا لسهم القيمة، بفضل أرباحها المستقرة وتوزيعات الأرباح القوية ونمو إيراداتها المعتدل عامًا بعد عام. ويتم تداول سهم Nestlé حاليًا عند نسبة سعر إلى ربحية (PE) تقرب من 20، وهي ليست منخفضة للغاية، لكنها تظل معتدلة مقارنةً بأسهم شركات التكنولوجيا مرتفعة التقييم.
ويمكن أيضًا النظر إلى شركة ExxonMobil، إحدى أكبر شركات النفط والغاز في العالم. فهي شركة عملاقة في قطاع الطاقة، تتمتع بسجل طويل من الربحية والقدرة على توليد التدفقات النقدية. وعادةً ما يتم تداول سهم ExxonMobil عند نسبة سعر إلى ربحية (PE) تتراوح بين 10 و15، وذلك بحسب أسعار النفط السائدة ومعنويات المستثمرين. وتعكس هذه النسبة المنخفضة ليس فقط نضج أعمال الشركة، بل أيضًا الطبيعة الدورية لقطاع الطاقة، إلى جانب المخاطر طويلة الأجل المرتبطة بالتحول في قطاع الطاقة والضغوط التنظيمية.
ما الذي تعنيه نسبة السعر إلى الربحية على مستوى المؤشر؟
ويحسب هذا المؤشر متوسط نسبة السعر إلى الربحية (P/E) لجميع الشركات المدرجة ضمن مؤشر أسهم، مثل S&P 500. ويعكس التقييم الإجمالي للسوق من خلال قسمة السعر الإجمالي للمؤشر على إجمالي أرباح الشركات المكوِّنة له خلال الاثني عشر شهرًا الماضية. ويساعد ذلك المستثمرين على تقييم إذا ما كان المؤشر مقيَّمًا بأعلى أو أقل من قيمته مقارنةً بمتوسطاته السابقة أو بالأسواق الأخرى.
يبلغ متوسط نسبة السعر إلى الربحية (P/E) لمؤشر S&P 500 عادةً نحو 20. إلا إن هيمنة شركات التكنولوجيا على المؤشر، إلى جانب طفرة الذكاء الاصطناعي، دفعت هذا المتوسط إلى الاقتراب من 30 خلال السنوات الأخيرة. وخلال فقاعة شركات الإنترنت، بلغت نسبة السعر إلى الربحية 38، بينما تجاوزت 120 أثناء الأزمة المالية العالمية، نتيجة الانهيار الحاد في أرباح الشركات.

في المقابل، يتم تداول مؤشر Stoxx 600 الأوروبي تاريخيًا عند نسبة سعر إلى ربحية أقل، تبلغ في المتوسط نحو 13، رغم أنها ارتفعت مؤخرًا إلى حوالي 17. ويعود ذلك إلى أن الشركات المكوِّنة لمؤشر Stoxx 600 تميل إلى الانتماء إلى القطاعات الدورية وأسهم القيمة، وهو ما يفسر الفجوة بين متوسط نسبة السعر إلى الربحية لمؤشر S&P 500 ونظيرتها في Stoxx 600.
متى يُفضَّل الاستثمار في الأسهم ذات نسبة السعر إلى الربحية (PE) المرتفعة أو المنخفضة؟
“لا توجد نسبة سعر إلى ربحية يمكن اعتبارها "جيدة" أو "سيئة" في حد ذاتها. فالعبرة دائمًا بالسياق.”
قد تمثِّل أسهم القيمة (Value Stocks) خيارًا جذابًا للمستثمرين، خاصةً خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي أو ارتفاع أسعار الفائدة. لماذا؟ لأنها تحقق أرباحًا ملموسة اليوم، بدلًا من الاعتماد على وعود بتحقيق أرباح مستقبلية بعيدة. وفي البيئات التي ترتفع فيها تكلفة رأس المال وترتفع معها معدلات الخصم، تميل الشركات التي تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة وتقييمات منخفضة إلى الصمود بصورة أفضل من الشركات التي تعتمد على المضاربة في النمو.
بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يرتبط الاستثمار في القيمة (Value Investing) بنهجٍ أكثر ميلًا إلى مخالفة توجُّهات السوق، إذ يقوم على شراء شركات قوية من الناحية الأساسية لكنها تمر بفترة من ضعف الإقبال، ثم انتظار السوق حتى إدراك قيمتها الحقيقية. وقد بنى المستثمران الأسطوريان Warren Buffett وBenjamin Graham ثروتيهما على هذه الفلسفة، من خلال البحث عن شركات تتمتع بأسس مالية متينة، لكن يتم تداولها بأقل من قيمتها الجوهرية.
“تميل الأسهم ذات نسبة السعر إلى الربحية (PE) المنخفضة إلى أن تكون أكثر جاذبية خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي أو عند ارتفاع أسعار الفائدة.”
“وفي المقابل، تحقق الأسهم ذات نسبة السعر إلى الربحية المرتفعة أداءً أفضل عادةً في بيئات تتسم بنمو اقتصادي قوي، وارتفاع شهية المستثمرين للمخاطرة، وانخفاض العوائد.”
“لا يعني "ارتفاع" أو "انخفاض" نسبة السعر إلى الربحية الكثير إذا تم النظر إليها بمعزل عن غيرها.”
“فالتحدي الحقيقي -بل والمهارة- يكمن في تحديد إذا ما كانت هذه النسبة تعكس الواقع الفعلي للشركة أم أنها منفصلة عنه.”
“يتطلب الحكم على إذا ما كانت نسبة السعر إلى الربحية "مرتفعة جدًا" أو "منخفضة جدًا" أو "عند مستوى مناسب" تفكيرًا نقديًا، وتحليلًا للسياق، وفهمًا جيدًا لطبيعة السوق.”
المحتوى الوارد في هذا المقال لأغراض تعليمية وتسويقية فقط. ولا يُقصَد به أي نصائح استثمارية أو توصيات مالية.
تُقدَّم جميع المنتجات والخدمات من قِبَل سويسكوت بنك إس ايه، وهو بنك سويسري خاضع لتنظيم الهيئة الاتحادية السويسرية للرقابة على الأسواق المالية. يتم الترويج لحسابات الفوركس وعقود الفروقات من قِبَل المكتب التمثيلي لشركة سويسكوت بنك إس ايه المرخصة من مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي. شركة سويسكوت الشرق الأوسط وأفريقيا المحدودة خاضعة لتنظيم سلطة دبي للخدمات المالية ومُسجَّلة في مركز دبي المالي العالمي.







